
- لو كانت القيادة مسموحة للنساء في بلدي لركبت سيارتي الأنيقة وحدي، مررت على مقهى طلبت قهوتي المفضلة، ثم قدت تحت تأثير الموسيقى الناعمة أو صوت فيروز بمحاذاة البحر أتفرج على الأطفال والباعة المتجولين ، أتأمل الموج الغارق في صمته الأحمر منذ أزل بعيد، والسماء التي ما ملت تظهر كل يوم بكامل أناقتها الماسية..
ربما حادثت صديقة كي تقابلني في ذات البقعة ، دخنت معها سيجارة حتى الرمق الأخير من البوح ، وقبل أن نعود ابتعنا ساندوتشات طعمية لذيذة..
وربما بقيت وحدي أنا وقطعة من ليل مدينتي المريب المحتقن بأسرار مشتهاة وتنهدات حارة..
أهذا كثير؟
أم لأنه ممنوع مرغوب؟
ولم تنحصر رغباتي في هذه البقعة من البساطة والسذاجة؟
أم أنه من باب التغيير أخفض سقف أحلامي لتكون بمستوى تسكع ليليّ بريء؟
لعلي فقط أريد أن أمارس علاقة سرية وحميمة مع مدينتي التي لا تعرفني جيداً..
مدينتي التي ليس لها أرصفة أمشي بطولها وأنثر ذاتي ما بين شجرة وأخرى..
مدينتي التي لا تستقبلني إلا إن كنت أنيقة بكامل زينتي وعباءتي في مطعم مغلق لا يتصل مع السماء ولا يعترف بالنجوم وسهرات القمر..
مدينتي التي لا تمنحني بحرها وتحرم علي أن أمنح شواطئها جسدي في خلوة ، ولا ترضى بي إلا عابرة في مشوار لا يكاد يبدأ حتى ينتهي..
مدينتي التي لا تعرف كيف تذيقني صباحها إلا خلسة من خلال شباك مفتوح بحذر.. تسرب إلي في بخل صوت طائر وبعضاً من أشعة شمس..
مدينتي التي لا تعترف بأحزان أو بأفراح ، ولا تمارس شجونها أو نزقها إلا كإمرأة عربية من تحت ستار..!!
..
..
كان عتاب المحبين فقط يا جدة..فافتحي لي ثقباً ، سربيني إلى حيث وجهك البكر ..
- على طرف الحياة أقف..قريباً من مرمى الحزن..
أجل ابتعدت عن خيبتي الحزينة إلى المسافة التي تمكنني من النظر جيداً إليها..
ما زالت تلك الخيبة أمامي بحجمها الذي بدا مخيفاً، بنافذتها التي تنفث الريح المزعجة..بشظاياها التي تتكسر أمام وجهي من آن لآخر..
حين أنظر إلى حياتي من هذا المكان أجد خارطتي قد تغيرت..
خارطتي التي تحوي علاقاتي..صديقاتي..أحلامي..
وحين تشعر أن عاصفة ما قد هبت وغيرت ملامح مدنك الداخلية وحدود جغرافيتك ، لابد أن تشعر بالفوضى بعد انتهاء العواصف..وبأنك تائه داخلك.. غارق في شبر أحلامك المبعثرة..
ألا يبدو ذلك غريباً علي، وأنا التي كنت أعرف كيف أرتب دواخلي جيداً وأكنس كل فوضاي مهما تعاظمت بعثرتي؟؟!
ما زلت في مرحلة الترتيب..ما زالت لدي أشياء لا أعرف أين أضعها..رفوف مكسورة..وأخرى مفقودة..وثالثة مدببة مزعجة..!وأحلام لم تنضج غدت مشردة يتيمة بلا أبوين في عمر مبكر..!
- امتلأ البيت اليوم بالصغار من كل المقاسات..
رغم الإزعاج ولكن كثيراً من الحياة دبت في بيتنا ..وكثيراً من الشجن الغير مبرر احتقن في دمي..
تأملت الفتيات ..يا للوقت الممتع..!
بالونات مملوءة بالماء يرشقون بعضهم بها في مرح..
صوتهن يعلو في كورس غنائي ضاحك..
ولوثة رقص مجنونة يصاحبها ضحك نقي يداعب أطراف الغيم وحدود السماء..
أتواطئ دائماً مع أصغر الفتيات في المجموعة..
ياسمين الحلوة ذات الست سنوات..لطالما أخبرتها أنها صديقتي السرية فتضحك في عبث طفولي لذيذ..
ما زالت الفتيات هنا..
أنا أكتب..وهن ينثرن كثيراً من ورد وياسمين وحب في أجواء البيت..